عقيدة وحدة الوجود

المبحث الثامن في وجوب إعتقاد أنّ الله معنا أينما كنّا في حال كونه في السماء في حال كونه مستويا على العرش في حال كونه في السّموات والأرض في حال كونه أقرب إلينا من حبل الوريد

posted by admi@rab May 11, 2018 0 comments

ولكلّ واحد من هذه المعيّات الخمس حالة تخصّها من مراتب الإختصاص ومراتب العلم، كما بسط الكلام على ذلك الشّيخ محي الدّين في الباب التّاسع والسّبعين ومأة من الفتوحات فراجعه،

فإن قلت فهل هوتعالى معنا في جميع هذه المواطن بالذّات أم بالصّفات كالعلم بنا والرّؤية لنا والسّماع لكلامنا ،

فالجواب كما قاله الشيخ العارف بالله تقيّ الدين ابن أبي منصور في رسالته أنّه لايجوز أن يُطلق على الذّات المتعالية معيّة، كما أنّه لا يجوز أن يُطلق عليها استواء على العرش، وذلك لأنّه لم يرد لنا تصريح بذلك في كتاب ولا سنّة فلا نقول على الله ما لم نعلم،

قال الشيخ محي الدين في باب حضرات الأسماء من الفتوحات في الكلام على اسمه الرّقيب، إعلم أنّه ليس في حضرات الأسماء الإلهيّة ما يعطى التتنبيه على أنّ الحقّ تعالى معنا بذاته إلّا الإسم الرّقيب، لأنّه نبّه على أنّ الذّات لاتنفكُّ عن الصّفات لمن تأمّل، ويؤيّد ذلك قول الأعرابي للنّبي صلّى الله عليه وسلّم ” لا نعدم خيرا من ربّ يضحك فإنّه أتبع الضحك توابعه،

وهذه المسئلة من المعضلات لاختلاف السلف فيها قديما وحديثا، ولكن من يقول إنّ المعيّة راجعة للصفات لا للذّات اكمل في الأدب ممّن يقول إنّه تعالى معنا بذاته وصفاته، وإن كانت الصفة الإلهيّة لا تفارق الموصوف.

وقد وقع في هذه المسئلة عقدمجلس في الجامع الأزهر في سنة خمس وتسعمأة بين الشيخ بدر الدين العلائي الحنفي وبين الشيخ إبراهيم المواهب الشاذلي ، وصنّف الشيخ ابراهيم فيها رسالة، وأنا اذكر لك عيونها لتحيط بها علما، فأقول وبالله التّوفيق، ومن خطّه نقلت،

قال الشيخ بدر الدّين العلائي الحنفي والشيخ زكريا والشيخ برهان الدين بن أبي شريف وجماعة ” الله تعالى معنا بأسمائه وصفاته لا بذاته “، فقال الشيخ إبراهيم بل هومعنا بذاته وصفاته، فقالوا ما الدّليل على ذلك فقال قوله تعالى ” والله معكم “ وقوله تعالى ”وهو معكم “ ومعلوم أنّ الله عَلَمٌ على الذّات،

(فإن قيل ) فما الحكمة في سؤال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الجارية الّتي شكوا في إسلامها وأرادوا عتقها بالأينيّة حين قال لها أين الله؟ فأشارت إلى السماء ، فقال مؤمنة وربّ الكعبة مع أنّه صلّى الله عليه وسلّم يعلم قطعا إستحالة الأينيّة على الباري جلّ وعلا،

(فالجواب) كما قاله الشيخ في الباب الخامس والثمانين وثلاثمأة أنّه صلّى الله عليه وسلّم ما سئل الجارية بالأينيّة إلّا تَنَزُّلا لعقلها، والشريعة قد نزلت على حسب ما وقع عليه التَّوَاطُؤُ في ألسنة العالم، قال تعالى ” وما أرسلنا من رسول الّا بلسان قومه ليبيّن لهم “ ثمّ إنّ التواطؤقد يكون على صورة ما هي الحقائق عليه في نفسها وقد لا يكون، والشارع صلّى الله عليه وسلّم تابع له في ذلك تنزّلا لعقولهم ليفهموا عنه أحكامه وقد دلّ الدّليل العقليّ على استحالة حصر الحقّ تعالى في أينيّة، ومع ذلك فقد جائت على لسان الشّارع كما ترى من أجل التّواطؤِ الذي عليه أمّته، فقال للجارية أين الله؟، ولو أنّ غير رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال ذلك لجهله الدّليل العقليّ، فإنّه تعالى لا أينيّة له في نفسه ، وإنّما الإنسان لقصور إدراكه لا يشهد الحقّ تعالى إلّا في أين،لا يستطيع أن يرقى فوق ذلك إلّا إن أمدّه الله بنور الكشف، فلمّا قالها صلّى الله عليه وسلّم للجارية بانت حكمته وعلمه، وعلمنا أنّه لم يكن في قوّة تلك الجارية أن تعقل موجدها إلّا بحسب ما تصوّرته في نفسها، ولو أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان خاطبها بغير ما تَوَا طَأَتْ عليه وتصوّرته في نفسهالارتفعت الفائدة المطلوبة ولم يحصل لها القبول، فكان من حكمته صلّى الله عليه وسلّم أن سئل الجارية بمثل هذا السؤال، وبهذه العبارة، ولذلك قال صلّى الله عليه وسلّم في الجارية لمّا أشارت إلى السماء أنّها مؤمنة، أي مصدّقة بوجود الله في السّماء كما قال تعالى ” وهو الله في السموات وفي الأرض،

فإن قلت فلأيّ شيئ لم يقل صلّى الله عليه وسلّم فيها أنّها عالمة بدل قوله مئمنة،

فالجواب إنّما قال ذلك لقصور عقلها عن مقام العلماء بالله تعالى ولوأنّها كانت عالمة به تعالى ما خاطبها بالأينيّة، 

فعُلم أنّ من الأدب أن نقول إنّ الله معنا ولا نقول نحن مع الله، لأنّ الشّرع ما ورد به كما مرّ ، والعقل لايُعطيه لعدم تعقّل الكيف، ولولا ما نسبه تعالى إلى نفسه من المعيّة السارية مع جميع الخلق لم يقدر العقل أن يطلق عليه تعالى معنى المعيّة، وتُسمّى هذه المعيّة الوجوديّة الجامعة لحضرات جميع الأسماء والصفات، وعلم أيضا أنّ الحقّ تعالى ظاهر المعيّة من الوجه الّذي يليق بجلاله كما أنّه ظاهر الصحبة من الوجه الّذي يليق بجلاله، كما قال صلّى الله عليه وسلّم اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ، والسفر مأخوذ من الأسفار الّذي هو الظهور، (اليواقيت والجواهر ص 62 ، الجزء الأوّل )

فيجب اعتقاد المعيّة الذّاتيّة ذوقا وعقلا، لثبوتها نقلا وعقلا، فقالوا له أوضح لنا ذلك، فقال حقيقة المعيّة مصاحبة شيئ لآخر، سواء أَكَانَا واجبين كذات الله تعالى مع صفاته، أوجائزين كالإنسان مع مثله، أو واجبا وجائزا، وهومعيّة الله تعالى لخلقه بذاته وصفاته المفهومة من قوله تعالى ”والله معكم “ ومن نحو إنّ الله مع المحسنين إنّ الله مع الصابرين، وذلك لما قدّمناه ، من أنّ مدلول الإسم الكريم ”الله “ إنّما هو الذّات اللّازمةُ لها الصفات المتعيّنة لتعقّلها بجميع الممكنات، وليست كمعيّة مُتَحَيِّزَين لعدم مماثلته تعالى لخلقه الموصوفين بالجسميّة المفتَقِرة لِلَوَازِمها الضروريّة، كالحلول في الجهة الأينيّة الزمانيّة والمكانيّة، فتعالت معيّته تعالى عن الشبيه والنّظير لكماله تعالى وارتفاعه عن صفات خلقه ، ليس كمثله شيئ وهو السميع البصير،

قال العلّامة الغزويني في شرح عقائد النسفي ” إنّ قول المعتزلة وجمهور البخاريّة إنّ الحقّ تعالى بكلّ مكان بعلمه وقدرته وتدبيره دون ذاته باطل“، لأنّه لا يلزم أنّ من علم مكانا أن يكون في ذلك المكان بالعلم فقط، إلّا إن كانت صفاته تنفكُّ عن ذاته، كما هو صفة علم الخلق لا علم الحقّ، على أنّه يلزم من القول بأنّ الله تعالى معنا بالعلم فقط دون الذّات استقلال الصفات بأنفسها دون الذّات، وذلك غير معقول،

فقالوا له فهل وافقك أحد غير الغزويني في ذلك؟ فقال نعم، ذكر شيخ الإسلام ابن اللّبّان رحمه الله في قوله تعالى ” ونحن أقرب اليه منكم ولكن لا تبصرون “ إنّ في هذه الآية دليلا على أقربيّته تعالى من عبده قربا حقيقيّا كما يليق بذاته لتعاليه عن المكان، إذ لو كان المراد بقربه تعالى من عبده قربَه بالعلم أو بالقدرة أو بالتدبير مثلا لقال ” ولكن لا تعلمون ونحوه “، فلمّا قال ”ولكن لا تبصرون “ دلّ على أنّ المراد به القرب الحقيقيّ المدرك بالبصر، لو كشف الله عن بصرنا، فإنّ من المعلوم أنّ البصر لا تعلّق لإدراكه بالصفات المعنويّة، وإنّما يتعلّق بالحقائق المرئيّة، قال وكذلك القول في قوله تعالى ” ونحن أقرب اليه من حبل الوريد “ هو يدلّ أيضا على ما قلناه، لأنّ أفعل ممّن يدلّ على الإشتراك في اسم القرب وإن اختلف الكيف، ولا اشتراك بين قرب الصفات وقرب حبل الوريد،لأنّ قرب الصفات معنويّ وقرب حبل الوريدحسّيّ ، ففي نسبة أقربيّته تعالى الى الإنسان من حبل الوريد الّذي هو حقيقي دليل على أنّ قربه تعالى حقيقيّ، أي بالذّات اللّازم لها الصفات ، قال الشيخ إبراهيم وبما قرّررناه لكم إنتفى أن يكون المراد قربَه تعالى منّا بصفاته دون ذاته، وإنّ الحقّ الصّريح هو قربُه منّا بالذّات أيضا، إذ الصفات لا تعقل مجرّدة عن الذّات المتعالي كما مرّ،

فقال له العلائي فما قولكم في قوله تعالى وهومعكم أينما كنتم فإنّه يوهم أنّ الله تعالى في مكان، فقال الشيخ إبراهيم لا يلزم من ذلك في حقّه تعالى المكان، لأنّ أين في الآية إنّما أطلقت لإفادة معيّة الله تعالى للمخاطبين في الأين اللّازم لهم لا له تعالى كما قدّمنا فهو مع صاحب كلّ أين بلا أين إنتهى،

فدخل عليهم الشّيخ العارف بالله تعالى سيّد محمّد المغربي الشّاذلي شيخ الجلال السيوطي فقال ما جمعكم هنا؟ فذكروا له المسئلة، فقال تريدون علم هذا الأمر ذوقا أو سماعا، فقالوا سماعا، فقال ”معيّة الله تعالى أزليّة ليس لها ابتداء، وكانت الأشياء كلّها ثابتة في علمه أزلا يقينا بلا بداية لأنّها متعلّقة به تعلّقا يستحيل عليه العدم لإستحالة وجود علمه الواجب وجوده بغير معلوم واستحالة طريان تعلّقه بها لما يلزم عليه من حدوث علمه تعالى بعد أن لم يكن، وكما أنّ معيّته تعالى أزليّة كذلك، هي أبديّة ليس لها إنتهاء، فهو تعالى معها بعدحدوثها من العدم عينا على وفق ما في العلم يقينا، وهكذا يكون الحال أينما كانت في عوالم بساطها وتركيبها وإضافتها وتجريدها من الأزل إلى ما لا نهاية له، فأدهش الحاضرين بما قاله، فقال لهم إعتقدوا ما قرّرته لكم في المعيّة واعتمدوه ودعوا ما ينافيه تكونوا منزّهين لمولاكم حقّ التّنزيه ومخلصين لعقولكم من شبهات التشبيه، وإن اراد أحدكم أن يعرف هذه المسئلة ذوقا فليسلّم قياده لي، أخرجه عن وظائفه وثيابه وماله وأولاده، وأدخله الخلوة وأمنعه النّوم وأكل الشهوات، وأنا اضمن له وصوله إلى علم هذه المسئلة ذوقا وكشفا، قال الشيخ إبراهيم فما تجرّأ أحد أن يدخل معه في ذلك العهد، ثمّ قام الشيخ زكريّا والشيخ برهان الدين والجماعة فقبّلوا يده وانصرفوا إنتهى، 

(منقول من اليواقيت والجواهر، ص 61 – 60 للشّيخ عبد الوهّاب الشعراني )

You may also like

Leave a Comment