عقيدة وحدة الوجود

المبحث السابع في وجوب اعتقاد أنّ الله تعالى لا يحويه مكان كما لا يحدّه زمان لعدم دخوله في حكم خلقه

posted by admi@rab May 11, 2018 0 comments

فإنّ المكان يحويهم والزّمان يحدّهم، وقد قدّمنا أنّه مبائن لخلقه في سائر المراتب، فإنّه كان ولا مكان ولا زمان، وذاته تعالى لاتقبل الزّيادة ولا النّقصان، وهو الّذي أنشأ الزّمان وخلق المتمكّن والمكان، فلا أينيّة له تعالى،

(فإن قلت)فما المراد بقوله تعالى ”وهومعكم أينما كنتم “ فإنّه يوهم الأينيّة عند ضعفاء العقول، 

(فالجواب) كما قال سيّدي محمّد المغربي الشّاذلي أنّه لا إيهام لأنّ العينيّة في هذه الآية راجعة إلى الخلق، لأنّهم هم المخاطبون في الأين اللّازم لهم لا له تعالى، فهو تعالى مع كلّ صاحب أينٍ بلا أينٍ لعدم مماثلته لخلقه في وجه من الوجوه، 

(منقول من اليواقيت والجواهر ص 59 للإمام عبد الوهاب الشعراني )

قال الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي رحمه الله في الباب الثاني والسبعين وثلاث مأة بعد كلام طويل، وبالجملة فالقلوب به هائمة والعقول فيه حائرة، يريد العارفون أن يفصّلوه تعالى بالكليّة عن العالم من شدّة التّنزيه فلا يقدرون، ويريدون أن يجعلوه عين العالم من شدّة القرب فلا يتحقّق لهم فهم على الدّوام متحيّرون فتارة يقولون هو، وتارة يقولون ما هو، وتارة يقولون هو ما هو ، وبذلك ظهرت عظمته تعالى وقد أنشد الشّيخ محي الدين في هذا المعنى

وَمِنْ عَجَبِيْ أَنِّي اَحِنُّ اِلَيْهِمْ * وَاَسْئَلُ عَنْهُمْ دَائِمًا وَهُمْ مَعِيْ

وَتَبْكِيْهِمْ عَيْنِيْ وَهُمْ فِيْ سَوَادِهَا * وَتَشْتَاقُهُمْ رُوْحِيْ وَهُمْ بَيْنَ اَضْلُعِيْ

(منقول من اليواقيت والجواهر ص 58 للإمام عبد الوهاب الشعراني )

(المبحث السابع عشر في معنى الإستواء)

إعلم أنّ هذا المبحث من عُضال المباحث فلنبسط يا أخي الكلام فيه بنقول المتكلّمين والعارفين حتّى يتجلّى لك وجه الحقّ فيه إن شاء الله تعالى فنقول وبالله التّوفيق،

قال الشيخ صفيّ الدّين بن أبي المنصور في رسالته يجب إعتقاد أنّ الله تعالى ما استوى على عرشه إلّا بصفة الرّحمنيّة كما يليق بجلاله، كما قال تعالى ”الرحمن على العرش استوى “ ، ولا يجوز أن يطلق على الذات العليّ أنّه استوى على العرش، وإن كانت الصفة لا تفارق الموصوف في جانب الحقّ تعالى، لأنّ ذلك لم يرد لنا التصريح به في كتاب ولا سنّة، فلا يجوز لنا أن نقول على الله مالا نعلم، فكما أنّه تعالى استوى على العرش بصفته الرّحمنيّة، كذلك العرش وما حواه به استوى،

واعلم أنّ غاية العقل في تنزيه الباري عن كيفيّة الإستواء أن يجعل ذلك إستواء تدبير كما استوى الملك من البشر على مملكته، كما قالوا في استشهادهم بقولهم قد استوى بِشْرٌ على العراق، وأين استواء البشر الّذي هو مخلوق من استواء الباري جلّ وعلا ، وقد أنشد الشيخ محي الدين في الباب الثامن عشر من الفتوحات

العرشُ واللهِ بالرحمن محمولٌ * وحاملوه وهذا القولُ معقولٌ

وأيّ حولٍ لمخلوقٍ ومقدّرة * لولاه جاء به عقل وتنزيل

(فإن قلت) فما وجه الحكمة في كون الإستواء لم يكن يجيئ في الكتاب والسنّة إلّا للاسم الرحمن،

(فالجواب) كما قاله الشّيخ في الباب الثامن والتسعين ومأة أنّ وجه الحكمة في ذلك إعلام الحقّ تعالى لنا أنّه لم يرد لنا بالإيجادإلّا رحمة الموجودين، كلّ أحد بما يناسبه من رحمة الإمداد أو رحمة الإمهال أو عدم المعاجلة بالعقوبة لمن استحقّها ونحو ذلك، فعُلم أنّ الاسم الرحمن من أعظم الأسماء حكما في المملكة، ويليه الإسم الربّ ، ولذلك لم يرد لنا أنّ الحقّ تعالى ينزل إلى سماء الدنيا إلّا بالاسم الربّ المحتوي على حضرات جميع المربوبين،

(فإن قلت ) فما الحكمة في إعلامه تعالى بأنّه استوى على العرش بناء على أنّ المرادبالعرش مكان مخصوص في جهة العلو لا جميع الاكوان،

(فالجواب) كما ذكره الشيخ في الباب السبعين وثلاثمأة أنّ الحكمة في ذلك تقريب الطّريق على عباده، وذلك أنّه تعالى لمّا كان هو الملك العظيم ولابدّ للملك من مكان يقصده فيه عباده لحوائجهم، وإن كانت ذاته تعالى لا تقبل المكان قطعا، اقتضت المرتبة له أن يخلق عرشا وأن يذكر لعباده أنّه استوى عليه ليقصدوه بالدعاء وطلب الحوائج فكان ذلك من جملة رحمته لعباده والتنزُّلَ لعقولهم، ولولا ذلك لَبَقِي صاحب العقل حائرا لايدري أين يتوجّه بقلبه، فإنّ الله تعالى خلق العبد ذا جهة من أصله، فلا يقبل إلّا ما كان في جهة ما دام عقلُه حاكما عليه، فإذا منّ الله تعالى عليه بالكمال واندراج نور عقله في نور إيمانه تكافئت عنده الجهات في جناب الحقّ تعالى، وعلم وتحقّق أنّ الحقّ تعالى لا يقبل الجهة ولاالتّحيُّزَ، وأن العُلْويّات كالسفليّات في القرب منه تعالى، قال تعالى ” ونحن أقرب اليه من حبل الوريد “ وقال صلّى الله عليه وسلّم ”أقرب ما يكون العبد من ربّه وهو ساجد “، فعُلم أنّ الشّرع ماتبع العُرف إلّا في حقّ ضعفاء العقول رحمة بهم،

(فإن قلت) فما الحكمة في إخباره تعالى لنا بأنّه تعالى ينزل كلّ ليلة إلى السماء الدنيامع أنّه تعالى لاتقبل ذاته النّزول والصّعود،

(فالجواب) الحكمة في ذلك فتح باب تعليم التواضع لنا بالنّزول إلى مرتبة من هو تحت حكمنا وتصريفنا وإعلامنابأنّه كما لا يلزم من الإستواء إثبات المكان كذلك لا يلزم من إثبات الفوقيّة إثبات الجهة، وأيضا فإنّ في إعلامه تعالى لنا بأنّه ينزل إلى سماء الدنيا فيقول هل من سائل هل من مريض هل من مستغفر ونحو ذلك الإذن

لعباده في مسامرته بالسؤال وطلب النّوال ومناجاته بالأذكار والإستغفار كما أنّه تعالى يسامرهم كذلك بقوله هل من سائل إلى آخر النّسق فيقول لهم ويقولون له ويسمعهم ويسمعونه من طريق الإلهام كأنّهم في مجلس الخطاب، ولله المثل الأعلى ، هذا معنى النّزول عند أهل العقول.

واعلم ياأخي أنّ صفة الإستواء على العرش والنّزول إلى سماء الدنيا والفوقيّة للحقّ ونحو ذلك كلّه قديم، والعرش وما حواه مخلوق محدث بالإجماع، وقد كان تعالى موصوفا بالإستواء والنّزول قبل خلق جميع المخلوقات كما أنّه لم يزل موصوفا بأنّه خالق ورازق ولا مخلوق ولا مرزوق، فكان قبل العرش يستوي على ماذا؟ وقبل خلق السماء ينزل إلى ما ذا؟ فانظر يا أخي بعقلك فما تتعقَّلُه في معنى الإستواء والنّزول قبل خلق العرش؟ والسماء؟ فاعتقده بعد خلقهما، وأنا أضرب لك مثلا في الخلق تعجز عن تعقّله فضلا عن الخالق، وذلك أنّ كلّ عرش تصوّرت ورائه خلاء أو ملأ من جهاته الستّ فليس هو عرش الرحمن الّذي وقع الإستواء عليه، فلا يزال عقلك كلّما تقف على شيئ يقول لك فما ورائه فاذاقلت له خلاء يقول لك فما وراء الخلاء؟ وهكذا أبدالآبدين ودهر الداهرين، فلا يتعقّل العقل كيفيّة إحاطة الحقّ تعالى للوجود أبدا، فقد عجز العقل واللهِ في تعقّل مخلوق فكيف بالخالق؟ وكلّ من إدّعى العلم بالله تعالى على وجه الإحاطة به كذّبناه، وقلنا له إن كنت صادقا فتعقل لنا شيأ لم يخلقه الله تعالى ، فإنّ الله تعالى خالق غيرمخلوق باجماع جميع الملل، 

(منقول من اليواقيت والجواهر ، ص 90 ، الجزء الأوّل ، للإمام عبد الوهاب الشعراني )

(فإن قلت) إذا كانت الذّات – ذات الله – مجهولة فما مرادهم بقولهم فلان من العلماء بالله؟

(فالجواب) كما قاله الشيخ في الباب السادس من الفتوحات ، إنّ مرادهم بذلك العلم بوجوده وما هو تعالى عليه من صفات الكمال، وليس مرادهم العلمَ بذاته، لأنّ ذلك عندهم ممنوع لايُعلم بدليل ولا ببُرهان ولا يأخذه حدّ ، ومعرفتنا به سبحانه وتعالى إنّما هي علمُنا بأنّه ليس كمثله شيئ، وأمّا الماهية فلا يمكن لنا علمها قطعا، 

فإن قيل من قول بعضهم أنّ معرفة الحقّ لا تكمل إلّا بمعرفته تعالى من طريق التنزيه ومن طريق التّشبيه أنّ التشبيه موجود حقيقة. 

فالجواب إنّ الّذي نعتقده أنّ التّشبيه لا وجود له حقيقة، وإنّما ذلك واقع من بعض الخلق لضُعف شهودهم وكثافة حجابهم، ولو انكشف حجابهم لَعَلِموا علما يقينيّا أنّ الحقّ تعالى لا يلحقه قطّ تشبيه بخلقه في جميع الصفات الّتي تنزل فيها لعقول عباده، وتأمّل يا أخي السّراب يحسبه الظّمآنُ ماءً ما دام بعيدا، فإذا قرب من محلّه لم يجد ماءً، وحكم بفساد حسابه الأوّل، وقس على ذلك أيضا سماع كلام الله، بصوت وحرف ورؤيته في التجلّي الأخرويّ في صور مختلفة، فإنّ ذلك إنّما هو تنزل للعقول، ولو كشف الحقّ تعالى حجابهم لسمعوا كلامه تعالى من غير صوت ولا حرف ورأوه تعالى في غير صورة معقولة، لكنّهم لمّا حُجبوا لم يكونوا يفهموا الكلام بغير صوت ولا حرف، ولم يكونوا يعقلونه تعالى إلّا في صورة ، وتعالى الله عن ذلك عُلُوّا كبيرا،

إعلم يا أخي !فهّمك الله الحقائق ، وأخذ بيدك إلى معرفة الدقائق، أنّ الحقّ تعالى متجلٍّ من الأزل إلى الأبد، وله صفات لا نهاية لها، وهي غير ذاته من جهة المفهوم، وعين ذاته من جهة الوجود، فقامت صفاته له – من الأزل – مقام المرآة المجلوّة، فظهر في كلّ مرآة بصورة خاصّة، تحكم عليها تلك المرآة، فالعلم مرآة كبرى، فيها جميع الصور الظاهرة في باقي المرائي، والإرادة مرآة أصغر منها ، والقدرة مرآة أصغر من مرآة الإرادة، وهكذا باقي المرائي، والمتجلّي في هذه المرائى كلّها هو الحقّ تعالى بذاته،

فلمّا ظهر العالَم ظهرت جميع صور الحقّ تعالى الّتي هي في مرائي صفاته من الأزل، ولامناسبة بين الحقّ تعالى وبين جميع هذه الصور الظاهرة في هذه المرائي، غير أنّها كلّها صور من غير شبهة، ولا صورة له تطابق شيأ من هذه الصور مطلقا، ولا بوجه من الوجوه، ولا صورة له تخالفها أيضا إلى ما لا نهاية له، ولكن على قدر المحلّ المنظور فيه تكون صورة النّاظر، أرأيت أنّ الإنسان إذا نظر وجهه في مرآة صغيرة ظهر وجهه صغيرا، وإذا نظر في مرآة كبيرة ظهر كبيرا، أو في مرآة طويلة ظهر طويلا، وهكذا، فانظر ما أعطته المرآة من التّحكّم في صورة الوجه، ونظر الحقّ في مرائي صفاته ليرى ذاته، وذلك النّظر لا بداية له، وإنّما لم يظهر العالم كلّه دفعة واحدة لأنّ مرآة الإرادة أعطت هذا التّرتيب،

إذا علمت هذا فاعلم أنّ كلّ شيئ ظهر في هذا الوجود الحادث فهو صورة الحقّ تعالى، ظهرت في مرائي صفاته، من مرآة العلم إلى مرآة الإرادة إلى مرآة القدرة، فذلك الشيئ الظاهر هو الحق تعالى بذاته وصفاته ، لكن لا من جهة صورة ذلك الشيئ – وجميع ما نسمّيه نحن ذلك الشيئ – بل من جهة الظاهر بذلك الشيئ الّذي أظهر صورته ذلك الشيئ، وهولم يزل باطنا في ذلك الشيئ، فهو الظاهر من تلك الجهة التي هو باطنها، فهو الظاهر الباطن من جهة واحدة، والله واسع عليم،

(وليس الحقّ تعالى هو هذه الأشياء من جهة كلّ شيئ، وما نسمّيه نحن ذلك، لأنّ هذا لا يصحّ أبدا، واعتقاده كفروزيغ والعياذ بالله، )وفي قول النّابلسي هذا تحيُّرٌ، لأنّ هذه العبارة – مِنْ وليس إلى والعياذ بالله -تخالف ما قال قبلها، ولكن نتفكّر ونبحث عن هذه العبارة بصبر جميل حتّى ينجلي لنا الحقّ والصّواب، فاسئلوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون، والله اعلم بمراد النابلسي بهذه العبارة ، (شرح النادرات العينيّة لعبد الغنيّ النابلسي ص 141، 142، 143 )

You may also like

Leave a Comment